إلى روح أمي

كان شيئا مختلفا عندما كان الموت مجرد كلمة أقرأها في الروايات والقصص أو مشاهد أراها في الأفلام والمسلسلات، كان شيئا مختلفا عندما كان الموت مجرد لفظة لا أستطيع أن أراها أو أسمعها أو ألمسها أو أن تأتيني في المنام، إلى أن سمعته ذات ليلة يتردد صداه في أروقة بيضاء ذات رائحة نظيفة، سمعت اسمه يتداخل مع صراخ وبكاء، سمعت اسمه ولم أستطع أن أدرك لمن ينتمي، أسرعت نحوها ، تفحصت وجهها النائم إلى الأبد ربما ما زالت تسمعني، لقد كنا هنا قبل أسبوع في هذا المكان تحديدا ، كان كل شيء عاديا، لماذا خطفها الموت الآن في هذه اللحظة؟ لماذا هي بالذات؟ كانت كل الأسئلة طازجة، ما زالت الأشياء أمامي غير مكتملة، والمشاهد متداخلة ومكتومة ، لم أستطع تمييز الوجوه من حولي رغم أنني أعرفها جيدا، ضممتها بشدة، ربما ما زالت في روحها بقية، تساءلت ..  أهذا هو الموت؟ صمت قاتل يخيم على وجهها تركني في لحظة انهيار حقيقية أمام الحياة، استطعت أن أرى في لحظتها الفرح وهو ينحسر من أمامي إلى الأبد ويحل محله شوق دائم تلتهب ناره في صدري.

الموت..

لا استطيع أن أنساه أو أن أشك في ملامحه، لقد رأيته في عينيها ولمسته في جسدها واكتشفته منذ لحظة ميلاده الأولى، كيف لك أن تنسى سارق الفرح، سارق الكائن الذي ربيت في أحشائه أولا و حضنه ثانيا وحياته ثالثا وسابعا وعاشرا؟ كيف لك أن تنسى روح الأشياء من حولك وهي تذكرك بمن فقدت؟ إن كل الأشياء تذكرني بأمي فكيف لي أن أنسى وأنا أصطدم كل يوم بها فترسل لي تلقائيا صوتها أو ملامحها، كيف لي أن أستذكر كل ما قامت به أمي من عطاء دون أن يوخزني ألم فراقها؟ كيف لي أن أطل على صورتها دون أن ارى وجعي؟ وكيف لي أن أمشي فوق الطريق دون أن تحفني بركاتها إلى أن أصل إلى ما أود الوصول إليه؟ أسئلة كثيرة عاجزة عن إجابتها أو حتى أن يجيبني عليها الآخرون أو أن يجيبني الزمن عليها، السؤال الأعظم لماذا تموت أمي؟ كيف يموت الكائن الذي أستيقظ على صوته، والذي عشت طفولتي متبخترا حول جسده وبين أحضانه ورائحته الزكية؟ كيف يمكنني أن أغمض عيني مرة كي أسهو في الذاكرة دون أن تفاجئني تلك الذاكرة بالمشاهد الدافئة التي كنت فيها مع أمي منذ طفولتي وحتى آخر نظرة؟ كيف لي أن أفرح يوما فرحا صادقا دون أن تظل غصة الألم دائمة في صدري؟

 

الحزن ..

هو الشيء الذي يجثو ويعيش في صدرك مهما علت في وجهك الضحكات، وهذا ما أشعر به اليوم. ما أستطيع فعله فقط هو أن أتعايش معه كمرض مزمن لا ينفك أن تظهر علاماته وأعراضه وآلامه ، برحيل أمي تبدو جميع الأشياء سطحية حولي، أستطيع أن أفقد قيمتها بسهولة لأنني فقدت شيئا بديهيا كان في حياتي، شيئا اعتدت وجوده ووقوفه معي، شئ يساندني ويحملني، يد خفية تستطيع أن تحمل عني الهم، وقلبا صافيا يلون سواد الأيام، ومسحة هادئة تعيد الأشياء إلى أماكنها، إن هذا ما تفعله أمي وهذا ما تفعله جميع الأمهات، هن يعدن للكون توازنه وينشرن السلام في قلوبنا، وعندما يرحلن نبقى في لوعة وألم الفراق، ونعيش الحزن بعدها..

 

إلى أمي

إني أشتاقك.

 

عن الكاتب

الشيماء الجهضمي

أصور وأصمم كثيرا ، أحب السينما و تلخيص الكتب، أسعى كي أصنع من البيانات الصغيرة فناً عظيماً.

(7) تعليقات


  • نوح اللمكي

    لا نملك إلا أن نقول رحمة الله تغشاها، ونسأله تعالى أن ينزلها منزلاً حسناً مُباركاً في جنات النعيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.


  • الماسه

    ما زالت روحها تزور منزلنا كل يوم كما أعتادت ..
    وما زال ألم رحيلها كذبت لا أصدقها..
    غفر الله عنها وأسكنها الفردوس الأعلى..


  • مهند

    رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته


  • انا لله وانا إليه راجعون. اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك.

    الله يرحمها ويغفرلها ….


  • سلطان ثاني

    ماذا يريد منّا الموت؟
    إنه يريد منّا أن نصل إلى الحقيقة ، حقيقة الدنيا ، أن نكبر على طفولة الحاجات البائسة ، أن نغرق في الحكمة حتى تغرق فينا ، أن نعيش الحياة في طريقها الصحيح ، أن نأخذ أدوار من رحلوا ، أن نحقق أحلامهم ، تلك التي تخصهم أو التي حلموا بها لنا ، أن نكمل المسير إلى حيث نجدهم

    رحمة الله على أمك


  • عامر العزري

    لا سلوان على الفراق إلا باللقاء..
    أسأل الله أن يجمعكم بها في جنته ومستقر رحمته.


  • رحمه الله على ام انجبت خير خلف يدعوا لها .
    الموت لايعرف كبيرا او صغير الموت يسرق من نحب ويرحل
    الموت يلاحق الجميع ..

    رحمه الله واسعه جدا لترحم من هو فوق الارض وترحم من هو تحت الارض ..

    رحمه الله عليها
    الله يتغمد روحها الطاهر بواسع رحمته ..

    ..



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>