جنون الشغف في رواية (العطر..قصة قاتل)

رواية العطر للكاتب الألماني باترك زوسكيند (1949) تعد من أشهر روايات الكاتب وهي من أكثر الروايات مبيعا في ألمانيا في القرن العشرين بعد اصدارها في سنة 1985، ومما زادها شهرة تحويلها إلى فيلم عام 2006 من اخراج الألماني توم تايكور والذي من خلاله زادت شهرة الرواية عالميا ، ولا عجب في ذلك!

هذه الرواية أدهشتني حقا ، وأكثر ما أدهشني فيها هو الأسلوب الوصفي العميق والتفصيلي لرائحة الأشياء والأمكنة خصوصا روائح العطور ومكوناتها الدقيقة، لدرجة جعلتني أظن أن الكاتب ليس روائيا فحسب ولكنه ملم بشكل لافت بصناعة العطور ومكونات الصوابين والزيوت.

perfume-perfume-the-story-of-a-murderer-25053407-1200-798-1024x680

أحداث الرواية:

“جان باتيست غرنوي” المولود دونما رائحة، في أكثر أماكن العالم تخمة بالروائح الكريهة،الناشيئ من القمامة والغائط والعفن ، والذي تربى دون حب وعاش دون روح انسانية دافئة، وإنما نكاية وبقوة القرف، هو الضئيل الأحدب الأعرج البشع، الذي يتجنبه الجميع، والشنيع من الداخل والخارج على حد سواء قد توصل إلى جعل نفسه محبوبا من قبل الجميع” ص ٢٢٥

تجري أحداث رواية العطر في القرن الثامن عشر وتبدأ تحديدا سنة 1738 أي أن الكاتب استطاع أن يعود للوراء مئتي سنة كي يروي أحداث وتفاصيل هذه الرواية وهو أمر يدعو للإعجاب،تحكي الرواية عن شاب يدعي جان باتسيت غرنوي يولد في أكثر الأمكان زخما بالروائح الكريهة (سوق السمك) في عصر هيمنت على المدن الروائح القذرة التي لا يمكن أن يتصورها الإنسان اليوم، يولد لأم قاسية حاولت التخلص منه عند عربة السمك وسيُكتشف أمرها وتعدم بالمقصلة. يعيش غرنوي حياة قاسية، فمن مرضعة لأخرى ، حيث ترفض المرضعات استقباله لأنه طفل جشع و (بلا رائحة) ! ينقل بعدها غرنوي إلى المرأة القاسية التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة (مدام غايار) ، حيث سيعيش هناك طفولته منبوذا من قبل الأطفال الآخرين كونه مختلف عنهم. ورغم الأمراض التي داهمته إلا أنه لن يسمح للموت أن ينال منه، حيث كان جسمه شديد المقاومة ، انتقل جان للعمل مع السيد غريمال (الدباغ) الذي لا يقل قساوة عن مدام غايار، عمل بجد واجتهاد في الدباغة وبدأ يكتشف روائح العالم عبر أنفه الاستثنائي العجيب، حيث كانت أكبر منطقة روائح في العالم بمتناول أنفه: مدينة باريس!

اكتشف جان الموهبة الخارقة التي تميزه عن الآخرين وبدأ معها يكتشف روائح العالم، كان ينقض على أية رائحة يكتشفها، يمسك بها، يستنشقها حتى الثمالة، لم يكن انتقائيا، إذ لم يميز بين ما تعارف عليه الناس عامة على أنه رائحة طيبة أو كريهة، وفي هذه المرحلة تعرض لحدث غير مجرى حياته، حيث تعرف على رائحة أسرت قلبه وهي رائحة لفتاة جميلة ذات شعر أحمر ، اتبع هذه الرائحة واستطاع أن يجدها ، بعدها سلب من الفتاة روحها واستنشقها حتى يحفظ هذه الرائحة عن ظهر قلب.

بعد هذه الحادثة قرر جان أن يتعلم العطارة حتى يستطيع حفظ الروائح، وبدأ بتعلمها مع العطار (بالديني) أحد أشهر عطاري باريس، وبعمله مع هذا العطار برهن جان على تفوقه وعبقريته الفذة في ابتكار مئات بل آلاف التركيبات للعطور الأخاذة، واستطاع أن ينتشل بالديني من الفشل إلى قمة النجاح، لكن جان لم يكتفِ بذلك، لقد اكتشف أن طريقة الترشيح لا تنجح مع المواد الأخرى ، فهو لا يستطيع عن طريقها حفظ رائحة النحاس والحديد والكائنات الحية،لذلك قرر أن يسافر إلى مدينة (غراس) التي تعد عاصمة العطور الفرنسية، بعدما وهب ل (بالديني) تراكيبَ عطرية تضمن له بقاءه في قمة الصناعة العطرية في باريس، الذي – ومع الأسف – مات في حادث انهيار منزله ومتجره حين مغادرة غرنوي باريس !

غادر غرنوي باريس – مسقط رأسه – بعد ثمانية عشر عاما، ومع انسحابه منها يكتشف أنه الآن يتحرر من الرائحة المترعة بالبشر وبالأشياء، ويبدأ يتعلق برائحة النقاء، رائحة الطبيعة، لقد افتتن بها! لذلك تلاشت خطته في الوصول ل غراس و قرر أن يعيش بعيدا عن البشر،عن كل البشر في أحد كهوف سلسلة جبال (سنترال) لمدة 7 أعوام، اكتشف خلالها صدمته العميقة بأنه (بلا رائحة) وقرر المغادرة فورا ، ولكن كانت هيئته مزرية ومنظره مرعبا ، حيث كان رجل كهف حقيقي، وعندما وصل إلى مدينة (مونبلييه) استغله المركيز دولاتيلاد لإثبات نظرية (فلويدوم ليتال تيلاد)، بعد هذه الحادثة استطاع جان الهروب مرة أخرى كي يصل إلى (غراس) وعمل لدى مدام (آرنوفلي) حيث تعلم هنا طريقة جديدة لحفظ الروائح، وهي عملية النقع التي يتم فيها استخدام الدهن وكانت سعادته لا توصف بذلك ، لذلك قام بمباشرة تجاربه ، حيث قلد رائحة البشر واتخذها عطره واستطاع أن يصنع راوئح لأشياء أخرى كالحجر والحيوانات وجمادات أخرى.

screen-shot-2017-01-08-at-1-33-30-pm-copy

خلال عمله في غراس اكتشف جان رائحة فاتنة، بل هي أجمل وأعذب وأرق من رائحة الفتاة في باريس، واستطاع أن يتقفى أثرها، ووصل إليها حقا، وأصبح هدفه الآن واضحا ! ولكن كان يجب عليه أن يستعد قبل الحصول على جوهرته الثمينة، لذلك فقد بدأ يحصد روائح فتيات جميلات عذراوات وبحفظها في قوارير، فجمع 24 قارورة تحتوي على روائح بشرية فتانة. وبعدما تأكد من نجاح تجربته حصد جوهرته الثمينة أخيرا وصنع منها عطره، اكتُشِف أمر جان وقدم للمحاكمة بعد اقراره بقتل 25 فتاة بدون أن يذكر السبب وحكمت عليه المحكمة بأقسى العقوبات، وعند مثوله أمام الجمع من الناس لتنفيذ الحكم رش عليه عطر الفتاة الصهباء الجميلة، وتحول الناس من غضبهم إلى حبهم وتقديسهم له ، بل وإلى طلبهم المغفرة له ، وخيمت على الجميع حالة من الرغبة الهستيرية. أغلقت القضية وعفي عنه وغادر غرنوي غراس متوجها مرة أخرى إلى مسقط رأسه (باريس)، لأنه كان متيقنا من مدة تأثير العطر القصيرة ، وهناك قرر إنهاء حياته بسكب ما تبقى من العطر عليه أمام مجموعة من الرعاع والمشردين حيث انقضوا عليه كالمحمومين ونهشوا لحمه ودمه ولم يعد لغرنوي وجود بعد ذلك .

screen-shot-2017-01-08-at-1-32-04-pm-copy

 

مراجعة سريعة للرواية:

الرواية تعرض شخصية غرائبية ذات موهبة عجيبة ، وهي القدرة الخارقة على الشم، تستطيع تمييز الروائح من على مسافة أميال بل واكتشاف مكنونات العطور وتركيبها بدقة عالية بمجرد الشم ، هذه الموهبة لم يتناولها الأدب بشكل كبير، مما جعلها رواية مميزة ورائعة. تتميز الرواية بطغيان السرد عليها بشكل كامل، واحتوائها على قدر ضئيل من الحوارات، وفي جانب آخر احتوت على زخم كبير من التفاصيل الدقيقة والأوصاف المختلفة للأشياء والأماكن والناس.أعجبت أيضا بتركيب الشخصيات والأوصاف التي اتخذها الكاتب لكل شخصية ، وطريقته المذهلة للوصول إلى الرسالة والهدف الحقيقين من الرواية وهي قوة العطر التي يمكن أن تأسر القلوب والأرواح بغض النظر عن العوامل الأخرى.

 

06ebf5aa4a9cdf70cafdcefa1cbf7094

ما بين الفيلم والرواية:

فيلم (العطر قصة قاتل) والمستوحى أساسا من الرواية ذاتها التزم في نظري كما الرواية بسردية المحتوى وغلبته على الحوار، وفي جانب آخر تجاهل الفيلم بعض من الأحداث ( مثلا عندما كان جان في مونبلييه وتم استغلاله لإثبات نظرية فلويدوم ليتال تيلاد) لأنه لن يعطي لمسار حياة غرنوي أثر يذكر ، كما أنه غيّر بعض الأحداث الهامشية (مثلا في الفيلم تم قتل مدام غايار بينما في الرواية تابعت حياتها حتى سنوات طويلة وماتت بمرض في مستشفى). وفي كل الأحوال لدى كل من الرواية والفيلم خصوصيته في عرض الأحداث وإبرازها حسبما يرى المخرج و كاتب السيناريو، والتي في النهاية تهتم أن يكون المشاهد مشدودا حتى النهاية بالأحداث.

السرد الذي قدمه لنا المخرج توم تايكور سرد موازٍ للنص الروائي، ولكنه بدأ بمشهد المحاكمة وبظهور جان غرنوي على المنصة وبهتاف الناس منددين بضرورة تلقيه أقسى العقوبات، نستطيع أن نقول أنها بداية منطقية لأن المخرج أراد أن يجذب المشاهد منذ البداية نحو الإثارة بعدها تعود عقارب الساعة إلى الوراء  .. إلى نقطة ميلاده .. لتحكي قصته منذ البدء حتى النهاية في سلسلة سردية يحكيها صوت خارجي تتخللها الحوارات الأخرى.

تريلر الفيلم

 

عن الكاتب

الشيماء الجهضمي

أصور وأصمم كثيرا ، أحب السينما و تلخيص الكتب، أسعى كي أصنع من البيانات الصغيرة فناً عظيماً.

تعليقان


  • قراءة ممتازة لرواية العطر التي بالفعل من أروع الروايات التي قراءتها من حيث غزارة التفاصيل وأسلوب السرد الجميل وما تحتويه من معاني عميقة في دواخل النفس البشرية من الاحساس بجمال العطر “العطر يعيش مع الزمن.. فله مراحل شبابه ونضجه وشيخوخته” وما بين إرتكاب جريمة القتل “رائحة الإنسان هي دائما رائحة جسدية فهي إذن رائحة آثمة”.

    خالص الشكر
    سيف الجهوري


  • يا الله ذكرتيني بتلك الرواية الرائعة وقرأتها أكثر من مره أسلوب الكاتب ملفت ولا يوجد به ابتذال ولا تكلف ،

    العطر وما أدراك ما العطر يناغي كل لمسات الحياة ويستنشق اوكسجين الجمال ، العطر شخصية يعيش في زخات رشاته في خلجات قلب إنسان في حياته وتعبر عنه من عطره الفريد.

    تحياتي لك



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>