تجربتي مع أدب دوستويفسكي

في المقدمة التي كتبها دوستوفيسكي في عمله الأخير (الأخوة كارماوزف) يقول: ” إنني آُسمي ألكسي فيدروفيتش هنا بإسم البطل، وأنا اعرف حق المعرفة أنه رجل ليس فيه من العظمة كثير ولا قليل، لذلك أتوقع أن تُطرح عليً حتما أسئلة من هذا القبيل: ماذا في صاحبك ألكسي فيدرورفتش هذا من أمر فذ حتى اتخذته بطلا؟ما الذي قام به من أعمال نادرة؟بماذا أصبح ذائع الصيت وأين؟ولماذا يجب عليً أنا القاريء أن أضيع وقتي في دراسة وقائع حياته؟”

هذه الميزة لم تنفرد بها (الاخوة كارمازوف) فقط ولكنها طالت كل روايات دوستويفسكي، هي عندما تجد الناس المثيرين للشفقة أبطالا !وأنا اعتبرها من أقوى نقاط الرواية . في روايات دوستويفسكي ايضا دائما ما تشدني طريقة وصف التجربة النفسية التي تمر بها هذه الشخصيات بطريقة موغلة في الدقة. في تدوينتي هذه أنا لا أتحدث كوني أحد الأدباء الذين يبدون آرائهم النقدية في الروايات ، ولا أتحدث من مستوى باحث في الآداب، لكنني هنا أعرض انطباعاتي المتواضعة حول قراءاتي لدوستويفسكي وبالتحديد روايتي (الجريمة والعقاب) و (الأبله).

 

أحداث مفصلية  في حياة دوستويفسكي

قبل أن اعرض هنا انطباعاتي حول أدب دوستويفسكي والتي في الحقيقة الكثير من تحدث عنها يجب أن نستهل بداية حول الأحداث المفصلية التي تعرض لها في حياته ، ففي سنة ١٨٤٩ حكم عليه بالاعدام لكونه أحد اعضاء جماعة التفكير المتحرر ” جماعة دائرة بتراشيفيسكي” حيث وقف دوستويفسكي مع باقي الأعضاء في الخارج في أجواء متجمدة منتظرين فرقة الإعدام لتقوم بالحكم ولكن تغير حكم الإعدام على دوستويفسكي في تلك اللحظة إلى أربع سنوات من النفي مع العمل الشاق – بالاضافة الي التجنيد أربع سنين.في بداياته تأثر دوستوفيسكي كثيرا ببوشكين وجوجول حتى لكانت أولى أعماله مستوحاه من أعمالهم ، مثل قصة (المزدوج) والتي قيل أنها مستوحاه من رواية (الأنف) لجوجول.  دوستوفيسكي ورث مرض الصرع عن والده وورثه عنه ولده فيما بعد والذي توفي بسببه وتوفت أمه بسبب مرض السل وقد تناول هذين المرضين بالذات في رواياته ووصفهما بأدق ما يمكن ويعتقد أن خبرته في مرض الصرع ومعايشته له جعلته يؤسس شخصية (الأمير ميشيكين) في رواية الأبله. في بداية ستينيات القرن التاسع عشر أدمن دوستوفيسكي القمار مما جعله في حاجة ماسه إلى المال ولكن عقد دوستويفسكي اتفاقاً مع كاتبة شابة اسمها آنا سنيتكينا التي تزوجها فيما بعد وتوقف عن القمار ولكن موضوع القمار ظهر مجددا في روايته (المقامر) ١٨٦٦. نال دوستوفيسكي شهرة واسعة في روسيا ولكن شهرته الأوسع نالها بعد موته حيث أصبحت أعماله من أهم الأعمال الأدبية العالمية التي آُنتجت في القرن العشرين.

 

الأدب النفسي

قراءة الروايات التي تبدأ من النفس وتنتهي بالأحداث لا تشبهها أي قراءة ، لأن العمل الأدبي الذي يصف النفس الإنسانية الغامضة من داخلها ، يصف تناقضاتها ، كلامها الداخلي، فلسفتها وخصوصيتها يجعلك تتذكر تلك الرواية لفترة طويلة بل وتبدأ بتفكيك كل شخصية داخلها وتربطها بنفسك وبمن حولك ! إن حقيقة الإنسان وحقيقة نفسه ومشاعره وأفكاره لا تبدو للعيان بل تختبيء دائما في الهامش والقدرة على استحضارها وشرحها وتفكيكها لهو براعة ، وهذا ما برع فيه دوستويفسكي وبرع فيه أيضا كافكا وهامسون ووبيرنهارد وغيرهم لذلك يعتبرهم الكثيرين رواد الأدب النفسي، ذلك الادب الذي يسعى إلى تبرير اندفاعات الانسان وعواطفه وتحديد رغباته وأسبابها بلغة سردية تشد القاريء، وعندما نرجع إلى جذور براعة دوستويفسكي في هذا السرد العميق للنفس البشرية فنحن نعود إلى بداية حياته عندما كان طفلا حيث والده يعمل طبيبا في مستشفى الفقراء بموسكو وكان دائما-دوستويفسكي- ما يتجول في المستشفى ويرى ملامح البؤس والحزن والقلق والدعوات الهامسة التي يرفعها هؤلاء الناس فكانت كل تلك المشاهد اختزنها عقل الكاتب منذ نعومة أظفاره.

 

الإعدام

تجربة الحكم بالاعدام التي عاشها كاتبنا جعلته يعيش تلك اللحظات طوال حياته فيما بعد ويصفها في أعماله ولعل أبرز وأعمق وصف لها نجدها في رواية الأبله التي قرأتها مؤخرا حيث وصف مشهد الشخص المحكوم عليه بالإعدام على لسان شخصية الأمير ميشيكين بطريقة موغلة في الدقة:

“حين يقتاد إلى المقصلة لابد أن يعتقد أن حياة لا نهاية لطولها ما تزال أمامه . يخيل إليً أنه لابد أن يقول لنفسه أثناء الطريق حتما : ما زالت حياة طويلة أمامي بقيت ثلاثة شوارع ثم ذلك الشارع الآخر الذي فيه دكان خباز على اليمين. في كل جهة من حوله جمهور وصرخات وضوضاء وآلاف الوجوه وآلاف النظرات . إن عليه أن يحتمل ذلك كله ، وأن يحتمل خاصة هذه الفكرة:هؤلاء ألوف الناس لن يعدم منهم واحد أما أنا فآُعدم! ، على كل حال هذا ما يسبق الدقيقة الفاصلة ، ولكن ها هو هذا السلم فيأخذ يبكي فجأة إنه مع ذلك رجل يزخر فحولة وقوة . ها هو ذا يصعد السلم أخيرا إن أرجلهم موثقة فهم لا يستطيعون أن يتقدموا إلا بخطى صغيرة . كان الرجل منذ وصل إلى السلم قد اصفر اصفرارا شديدا أما الآن على المقصلة فقد أصبح اصفراره كالبياض. لعل ساقيه كانتا لا تستطيعان حمله إنهما متصلبتان كالخشب ولابد أنه يشعر بغثيان كأن شيئا كان يعبث بحلقه”

“الرجل الذي يذبحه اللصوص أو يغتالونه ليلا في الغابة أو على أي صورة من الصور هذا الرجل يظل حتى آخر لحظة من حياته محتفظا بالأمل في أن ينجو بنفسه، ولكم شهدنا أناسا كانت السكين في أعناقهم ومع ذلك ظلوا يأملون ويعدون ويتوسلون. أما في حالة الإعدام فهم يحرمونك تماما من تلك البقية الباقية من الأمل التي تخفف وقع الموت على نفسك عشرات المرات فاليقين عن أنك لن تفلت من حكم الإعدام هو ذاته العذاب الذي ليس بعده عذاب”

 

الجريمة والعقاب

هل سبق وأن تجولت داخل عقل انسان؟ ارهفت السمع بدقة للحديث الذي يجول بداخله؟ اذا لم تجرب ذلك يوما ما فرواية الجريمة والعقاب هي أنموذج رائع لتحقق ذلك ! هذه الرواية كانت بداية تعرفي على الأدب الروسي بشكل عام ودوستويفسكي بشكل خاص. بالرغم أن الرواية من عنوانها تبدو وكأنها رواية بوليسية إلا أنها ليست كذلك أبداً ، فهي بشكل أساسي تعرض النفس الانسانية بكامل تناقضاتها المتمثلة في بطل الرواية “راسكولينكوف” الذي يحمل في داخله الضد،وهو الشخصية المتناقضة الذي يرى نفسه دائما الأعلى في أفكاره وفي سلوكه وله الحق في أن يرتكب أي جريمة كي يصل لما يستحق أن يصل له كما وصل لذلك نابليون وغيرهم، وفي كل سلوك له قبل وبعد وأثناء الجريمة فهو يبرر كل تلك النزعات والدوافع التي تجعله يرتكب جريمة قتل مرابية عجوز لا فائدة لوجودها. في هذه الرواية الشخصيات مرهقة دائما وتشدك المشاعر التي يصف بها دوستويفسكي شخصياته ، الرواية تعرض قضايا المجتمع الروسي في ذلك الوقت كالفقر والسُكْر والتفكك العائلي والدعارة والمرض. وبشكل رئيسي هي تصف الاضطرابات النفسية ومبررات المجرم والتي ما تبدأ أن تختفي حتى يستسلم للندم والخوف.

يجدر بنا هنا أن نشير إلى أن الكثير من الاحداث التي عاشها دوستويفسكي عبر عنها. لقد عاش دوستويفسكي حياة السجن لما يقارب ٤ سنوات تعرف خلالها على نماذج متنوعة من التجارب البشرية وقد أتاحت له هذه الفترة من حياته على تغذية رواياته بتلك النماذج وضم بعض صفاتها وشخوصها في أعماله ، وهنا تبرز أهم نقطة لنجاح أي أدب دون سواه وهو (التجربة الذاتية) وأثرها العظيم على عمل أي روائي،لذلك أدب التجربة الفردية لا يعرض لك الاحداث فحسب ولكن يبررها ويقدم التفاصيل الغائبة في الهامش!

 

الأبله

هذه الرواية هي الثانية التي أقرأها لدوستويفسكي وهي أيضا من روائعه التي تحاول أن تصف النفس الانسانية الطاهرة النقية التي تبدو كطفل لم يكبر ولم يواجه الشرور حوله من خلال شخصية الأمير ميشيكن الذي يعود إلى بطرسبرج بعد رحلة علاج دامت ٤ سنوات لكي يبدأ في مواجهة العالم على حقيقته ، وبالرغم من أن بداية الرواية وأحداثها تجعلك مغرما بشخصية الأمير إلا أنك تكتشف في النهاية أنه لا يصلح كي يعيش في هذا العالم المبني على المصلحة والمصلحة فقط. تعجبني كثيرا اللغة الوصفية التي يتعمق فيها الكاتب ليصف كل شخصية بمنتهى الدقة وبتفاصيل عميقة جدا. رواية الأبله هي في المقام الأول وصف للنفس الانسانية أكثر منها وصف أحداث لكنها تشدك حتى النهاية ، وفي هذه الرواية كما سبق وقلنا أنها وصفت الشخص المحكوم عليه بالاعدام كما أنها قدمت وصفا دقيقا للمريض بالصرع.

 

في نهاية تدوينتي المتواضعة فإنني لا أصنف نفسي من النقاد أو الأدباء إلا أنني أجدني مرغمة كي أكتب عن انطباعاتي عن هذا الكاتب الرائع الذي شدتني أعماله أكثر من أي أديب آخر !

عن الكاتب

الشيماء الجهضمي

أصور وأصمم كثيرا ، أحب السينما و تلخيص الكتب، أسعى كي أصنع من البيانات الصغيرة فناً عظيماً.


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>