جدلية الإيمان واللادينية في فيلم The Sunset Limited

يقول الفيلسوف والناقد الثقافي سلافوي جيجاك : ” إن كنت تريد أن تبقى سعيدا فابقَ غبيا، الأسياد الحقيقيون لا يسعدون أبداً ، فالسعادة طبقة من العبيد”. نستطيع أن نجزم أن هذا هو المبدأ الذي يدور حوله فيلم The sunset Limited وهو فيلم مأخوذ من مسرحية كورماك مكارثي . أنتج الفيلم عام ٢٠١١ وهو من تمثيل تومي لي جونز وسامويل جاكسونالفيلم عبارة عن حوار جدلي ما بين بروفيسور ملحد يائس يخطط للانتحار و مسيحي مؤمن فقير. يدور الحديث حول قطبي الإلحاد والإيمان، السعادة واليأس، وكذلك عن سيادة العقل وفكرة الرب وعن حقيقة العالم والواقع. يحمل الفيلم اسم قطار مشهور في نيويورك The sunset Limited ويميزه عدم ذكر أسماء الشخصيات طوال الحوار.

هل يمكن أن يصل الإنسان لتلك الحالة من اليأس المطلق في كل ما يدور حوله من اللاجدوى؟ أقصد المرحلة التي يقرر فيها إنهاء حياته بيديه بأي طريقة ممكنة؟ هل يمكن أن تصبح جميع الأشياء التي آمنت بها غير موجودة الآن، بل ومن الحماقة التظاهر بوجودها؟ يتساءل البروفيسور في حواره مع المؤمن: لماذا لا يمكنكم فقط أن تتقبلوا أن بعض الناس لا يريدون حتى الإيمان بالله؟

 

أتعتقد بأنك حارس أخيك الإنسان؟

لا أعتقد بأن كلمة (أعتقد) تفي الأمر حقه

والمسيح هو جزء من هذا المشروع؟

هل توافق على ذلك؟

وهو مهتم بالقدوم هنا في هذه البالوعة وإنقاذ ما يعتقد الجميع بأنه لا يستحق الإنقاذ ، ولماذا سيفعل ذلك؟ أنت قلت إنه لا يملك الكثير من وقت الفراغ، لماذا سيأتي إلى هنا؟ ما الفرق بالنسبة له؟ بين مبنى فارغ من الناحية الأخلاقية والروحية وأخرى فارغة فقط؟*

 

the-sunset-limited

 

أنا اعتقد أن فكرة الانفراد بالقناعات خصوصا تلك المتعلقة بالوجوديات فكرة معقدة جدا، لماذا؟ لأن دخول الدين فيها جعلها مقدسة، لا يجب المساس بها والتفكير فيها. لذلك هنالك قناعات جمعية موحدة والخروج منها يعتبر هرطقة وخطيئة (أنا اتحدث هنا عن المجتمعات المؤمنة بشكل خاص) .

وبالحديث عن السعادة فهي تبدو فكرة هزلية لدى البروفيسور لأن السعادة معاكسة للحالة الإنسانية. فالمعاناة ومصير الإنسان وجهان لعملة واحدة وكل منهما يصف الآخر! من السخف أن نكون سعداء مع كل هذا الواقع الذي يعيشه العالم، لذلك كلما زادت معرفة الشخص فإنه يصبح أكثر بؤسا. معرفته حول العالم، حول الواقع بل حتى حول التاريخ الذي تمثله الصورة القاتمة خير تمثيل، فعندما تقرأ التاريخ فأنت تقرأ ملحمة مليئة بسفك الدماء والجشع والحماقة، وهو ما توضحه أفكار البروفيسور خصوصا تلك المتعلقة بـ (سيادة العقل)هل تؤمن بسيادة العقل؟ لعل كلمة “سيادة العقل” كلمة معقدة، ومن الصعب تحديد تعريف واضح لها، هل سيادة العقل تعني الفقدان التدريجي للإيمان بكل شيء بداية من الإيمان الديني بوجود الرب وليس نهاية من الإيمان بالأشياء الثقافية والموسيقى والأدب، لأن كل هذه الأشياء رقيقة جدا لن تتواجد لفترة طويلة؟ أو ربما ستفقد قيمتها داخلك كلما تقدمت في العمر، ستبدو في نظرك كلها إيمانات سطحية لا تستطيع أن تنقذك من حالات اليأس المطلق!

لماذا تعتقد أن الناس ينتحرون؟

لا أعلم، هنالك أسباب مختلفة

هل هناك شيء يجمع تلك الأسباب المختلفة؟

لا أستطيع التحدث على لسان البقية ، أسبابي تتمحور في فقدان تدريجي للإيمان وتنوير تدريجي بحقيقة الواقع ، بحقيقة العالم. *

sunset-limited2

الفيلم في حواراته العقلانية الممتدة ل ٨٧ دقيقة تجعلك تتساءل مع نفسك حقا حول الأفكار المطروحة فيه، وحول فكرة التعمق في الحياة، وهل يمكن أن توصلك معرفتك إلى الحد الذي تقتلك فيه؟ البروفيسور قرأ ما يقارب ٤٠٠٠ كتاب، وكل تلك المعرفة أدت به أخيرا إلى ضرورة الموت واللاجدوى من الحياة، مع كل السوء الذي يعيشه العالم. يتساءل البروفيسور – عندما يتمكن الناس من رؤية حقيقة العالم ورؤية حقيقة حياتهم بدون أي أحلام أو أوهام – : لا أعرف لماذا سيكون هناك سبب واحد لعدم اختيارهم الموت في أسرع وقت ممكن؟

عندما ترتبط فكرة اختيار الموت (الانتحار) نتيجة شعورك بالأسى حول العالم وحول الناس وفقدانك للشغف كي تمارس حياتك، وسيطرة الكآبة على مستوى كل شيء، وعجزك عن التأثير والتغيير، عندما تظن أنه من الغريب البقاء ومشاهدة موت كل شيء هنا، يتبين أنك لم تعد تؤمن سوى بالعدم!

 

الانجيل مليء بقصص تحذيرية تخبرنا بأن نكون حذرين، حذرين من ماذا؟ من أخذ المنعطف الخاطئ والطريق الخاطئ ، كم عدد الطرق الخاطئة؟ الرقم كبير جداً، وكم عدد الطرق الصحيحة؟ واحد فقط، وبالتالي يحدث اختلال التوازن الذي تحدثت عنه.*

rklqosuyf0xst7c8soc2

في الجانب الآخر، الانسان المؤمن بأي دين هو في الحقيقة يسعى للتمسك بتلك العقيدة نظراً لاحتياجات تقليدية أهمها هو احتياجه لتفسير عالم مربك لا يفهم خفاياه ولا يعلم حقيقة الأشياء خلفه، لأن الديانات قديمة بطبيعتها، وعندما لم تكن أدوات العلم موجودة مثل اليوم لتفسر كل شيء في ذلك الوقت كانت الحاجة ملحّة لوجود الدين كمرجع ومفسر رئيسي لكل ما يحدث حول الإنسان.

في كتاب ريتشارد دوكنز (وهم الإله) يقول: إن العقلانيين يمكنهم العثور على كل ما يحتاجونه من العلم والطب! ويأتي الدين كشيء يهم فقط مجموعة من المجانين، ولكن رغم كل الحدة في الانتقادات والآراء التي تواجهها الأديان اليوم أنا اعتقد أن العالم ما زال بحاجة إلى تلك الاحتياجات التي وفرتها الأديان، الحاجة إلى تذكيرنا بواجباتنا تجاه المجتمع، تجاه الفقراء، مع كل البرجماتية التي تجتاح العالم الرأسمالي. لذلك هناك مقولة قد تبدو مقنعة للبعض وهي” على الرغم من أن الأديان كانت أوهاما عميقة إلا إنها كانت أوهاما مهمة” 

 

the sunset limited فيلم حواري فلسفي بامتياز بالرغم من عدم وجود مشاهد مختلفة في أماكن مختلفة ، إلا أنه يجبرك على متابعته حتى آخره لكي تدرك الأفكار المطروحة، وحتى يتسنى لك بناء قناعتك الخاصة لكل من طرفي الحوار. وفي نظري هنا تكمن الدراما، في أن تبقى مأخوذا بالأحداث للنهاية، والعبقرية المضافة في هذا الفيلم هي أن الأحداث عبارة عن حوار فقط، ولا شيء غيره!

 

 

 

 

*حوار مقتبس من الفيلم

عن الكاتب

الشيماء الجهضمي

أصور وأصمم كثيرا ، أحب السينما و تلخيص الكتب، أسعى كي أصنع من البيانات الصغيرة فناً عظيماً.

تعليق واحد


  • عامر العزري

    لم يخيّب ظنّي العنوان الذي شدّني للمقال !
    أعتقد أن الناس بحاجة إلى طرح تساؤلات جريئة في الإيمان لا سيّما أولئك الذين تساورهم شكوك إيمانية فضلًا عن أولئك الذين تعتريهم أفكار إلحادية.
    فكرة الفيلم أعجبتني، فأنا أحب الحوارات ذات الأفكار الدينية أو الفلسفية، كما أعجبتني قراءتك وتحليلك له، لذا سأجعله في جدول مشاهداتي الرمضانية.
    شكرًا أيتها الشيماء، أرجو أن تستمري في هذا الإبداع.



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>